الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

36

مناهل العرفان في علوم القرآن

ثالثها : أن تفسير الإنزال بالإعلام ، ينسجم مع القرآن بأي إطلاق من إطلاقاته ، وعلى أىّ تنزّل من تنزلاته . 2 - تنزلات القرآن شرّف اللّه هذا القرآن بأن جعل له ثلاثة تنزّلات : 1 - التنزّل الأول إلى اللوح المحفوظ . ودليله قول اللّه سبحانه : « بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » . وكان هذا الوجود في اللوح بطريقة وفي وقت لا يعلمهما إلّا اللّه تعالى ، ومن أطلعه على غيبه . وكان جملة لا مفرقا ، لأنه الظاهر من اللفظ عند الإطلاق ، ولا صارف عنه . ولأن أسرار تنجيم القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يعقل تحققها في هذا التّنزّل . وحكمة هذا النزول ، ترجع إلى الحكمة العامة من وجود اللوح نفسه ، وإقامته سجلّا جامعا لكل ما قضى اللّه وقدّر ، وكل ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتكوين . فهو شاهد ناطق ، ومظهر من أروع المظاهر ، الدالة على عظمة اللّه ، وعلمه ، وإرادته ، وحكمته ، وواسع سلطانه وقدرته . ولا ريب أن الإيمان به يقوّى إيمان العبد بربه من هذه النواحي ، ويبعث الطمأنينة إلى نفسه ، والثقة بكل ما يظهره اللّه لخلقه ، من ألوان هدايته وشرائعه وكتبه ، وسائر أقضيته وشؤونه في عباده ، كما يحمل الناس على السكون والرضا ، تحت سلطان القدر والقضاء ، ومن هنا تهون عليهم الحياة بضرّائها وسرّائها ، كما قال - جلّ شأنه - « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ » ا ه من سورة الحديد . وللإيمان باللوح وبالكتابة فيه ، أثر صالح في استقامة المؤمن على الجادّة ، وتفانيه في طاعة اللّه ومراضيه ، وبعده عن مساخطه ومعاصيه ، لاعتقاده أنها مسطورة عند اللّه في لوحه . مسجّلة لديه في